الإمارة التي أصبحت مملكة سحرية - معتز قُطّينة

Screen Shot ٢٠١٣-١٢-٣١ at ٨.٠٩.٠٠ م

ما زلنا نذكر المقولات التي ترددت أيام الأزمة العالمية عن كون دبي لا تعدو فقاعة كشفت الأزمة هشاشتها، حتى بعد استعادتها السريعة لعافيتها الاقتصادية، هناك من لا يزال يشكك، ويزعم أنها معرضة لأزمات مماثلة، متجاهلاً ما حدث للاقتصاد العالمي بأسره، ومتجاهلاً أيضاً تجاوز دبي للأزمة واستمرار المشروعات التنموية والاقتصادية فيها بصورة أقوى من السابق.

الحديث عن دبي من خارجها لا يشبه الحديث عنها من الداخل، فمهما كان حجم ما تسمعه، وما يقال لك عنها، وما تراه بعينيك في القنوات والصحف، ومهما كثرت زياراتك إليها، فإن هذا كله لا يشبه أن تعيش فيها، وتغوص في تفاصيلها اليومية، مفتتحاً يومك بوجهها، مغمضاً عينيك على خدّها الرطب قبل أن تنام.

لا تشبه دبي المدن، الباحثون عن صورة مسبقة لن يجدوها، ومحدودو النظرة لن يستوعبوا الكم الهائل من التفاصيل الحيّة التي تجتمع فيها كما لم تجتمع في مكان آخر، إذ سيصعب عليهم تخيّلُ أن تحمل بقعة شرق أوسطية كل هذا القدر من الانفتاح على العالم، واستيعاب أكثر من مئتي جنسية تعيش فيها، دون أدنى درجة من التفرقة بينهم، يقول بعض الناس إن وضوح القوانين وتفصيلها بدقة هو السبب، ويُرجع آخرون تفوّقها إلى الإدارة الصارمة التي تنفذ هذه القوانين، ويرى غيرهم أن الدرجة العالية من الحريات الفردية التي تتيحها دبي هو السبب، بينما أعتقد أن هذه الأسباب، إضافة إلى أسباب أخرى، مجتمعةً هي الطاقة المحركة للإمارة السحرية.

لا يأتي النجاح خبط عشواء، كما لا يتشكل من عدم، والذين ذاقوا طعم النجاح يدركون أن خلف لذته رؤية مبدعة لأهدافهم التي حققوها، وعملاً متقناً لا يتمهّل إلا من أجل المزيد من التخطيط الواضح، الذي يعتمد على أصحاب الكفاءات وحدهم، وينحّي الضعفاء الذين لا يستطيعون مواكبة الإيقاع المنتظم لمهرجان الحصاد اليومي.

كل ما تريده ستجده في دبي .. هذه ليست مبالغة، وإنما حقيقة قابلة للقياس والإثبات، إذ لا يمكن لهذه الأعداد المهولة التي تقيم فيها، وتؤمها طوال العام أن تكلّف نفسها مشقة المسافات وعناء المحطات من أجل الحصول على لا شيء، وليس مقنعاً أن القادمين من ثقافات لا تكاد تتقاطع إلا في إنسانيتها، أن تجتمع هنا من أجل أمر واحد متفق عليه، سواء كان عملاً أو سياحة، كما لا يمكن لحكومة شغوفة بالإنجاز أن تباهي أمام العالم بادعاءاتٍ غير حقيقية قد ينكشف خواؤها أمام أول زائر.

كل ما تريده ستجده في دبي، مهما كانت درجة الحرية التي يقدمها أي بلدٍ آخر، إلا أن الحرية التي تقدمها دبي من طراز مختلف، فهي تسعى جاهدة، وتنجح في ذلك، إلى ابتكار نمط عالمي مختلف، يعتمد على احتواء الثقافات لا صهرها وتمييعها، وتصل إلى مرحلة لا تقبل بمعايير غيرها وتطبقها، بل تصنع معاييرها الخاصة، متكئة على طموح شاهق، واستعداد دائم لتحويل الأحلام إلى واقع يمكن معايشته، وفي الوقت الذي يُشاهد العالم مذهولاً هذا الواقع الخيالي، يكون صانعو النجاح منهمكين بالإعداد لمفاجأة جديدة، إذ تحول صانع القرار من حالة الاكتفاء بالإنجاز، إلى قلق البحث عما يجب أن يُنجز، والكيفية التي يقدمه بها، بعيداً عن منافسة أحد إلا نفسه، وإن كانت أمريكا قد أذهلت البشرية في قرنين، محوّلة أرضها إلى حلم، فإن حلماً جديداً ينمو ويلوح في خيال العالم، مجتذباً بسحريته سكان الأرض نحو هذه القطعة اللامعة فوق رمال الخليج.

كل ما لم تتخيله، وما لا تصدّق أنه سيحدث، ستسمع أن دبي قامت به يوماً، وهذه أيضاً حقيقة لا تحتاج إلا للمزيد من الوقت لإثباتها.

* نشر المقال في صحيفة الرؤية تحت عنوان “الإمارة السحرية” ١-١-٢٠١٤


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>