جنسية معتز قطينة: السؤال الوجيه لا يبني نصا روائيا! - معتز قُطّينة

كتب: رجب الطيب

عد مجموعتين شعريتين , أصدر الكاتب الفلسطيني / السعودي معتز قطينة نصا سرديا , أثار من خلاله , قضية على قدر من الأهمية , ربما كانت غير مسبوقة , ورغم أن النص كان عبارة عن مذكرة شخصية , وأنه تناول أمرا شخصيا , إلا أن هذا الأمر الشخصي , يثير واقعا , لا زال يعتبر من المناطق المحرم الدخول إليها , من منطق الثقافة ” الوطنية ” العامة , ونقصد بذلك علاقة الأجيال الفلسطينية , التي تولد , ثم تنشأ في الشتات , دون أن تشعر بانتماء حقيقي للوطن الفلسطيني , الذي لا يعرفون عنه شيئا , إلا من خلال ما يرويه لهم الآباء والأمهات , الذين هم بلا شك أكثر ارتباطا به , في حين أن الأجيال الشابة , تجد في تلك الدول التي نشأت فيها , مستودع ذاكرتها , وموطن صداقاتها , وما إلى ذلك .
اضطراب الهوية : رغم أن النص يتحدث عن الجنسية , ورغم أن مفهوم الجنسية هو غير مفهوم الهوية , إلا أن ما عانته شخصية الراوي / بطل النص من اضطراب ناجم عن عدم تحديد جنسية الراوي , الذي ولد فلسطينيا لأبوين فلسطينيين / مقدسيين , لكنه حاصل على جنسية أردنية , فيما نشأ في السعودية , حيث تضطر العائلة , حتى لا تفقد الهوية الزرقاء , أي حق الإقامة في القدس , لقضاء العطلة الصيفية في وطنها , مرورا بعمان ومن ثم الجسر , حيث تسجل ذاكرة الصبي / الطفل المعاناة السنوية لهذه الرحلة , التي كانت أحد أسباب تفضيل الراوي للجنسية السعودية على الجنسية الفلسطينية ( والأردنية بالمناسبة ) . وقد نشأ هذا الاضطراب مترافقا مع حياة الراوي منذ أن بدأ يعي الدنيا , ثم من خلال وجوده كأجنبي في المدرسة الابتدائية ومن ثم المتوسطة فالثانوية , حيث حال كونه ” أجنبيا ” رغم تفوقه المدرسي دون أن يواصل الانتقال في التعليم من الابتدائي للمتوسط فالثانوي بشكل طبيعي , الأمر الذي أثر سلبا في النهاية على نتيجته في الثانوية وحال دون أن يتابع تعليمه الجامعي .
وقد وصل الشرخ الداخلي ذروته , حين فوجئت العائلة , بقرار الاحتلال الإسرائيلي , ضرورة أن يختاروا بين الإقامة في القدس أو العودة إلى جدة , فلم يتردد الراوي في اختيار جدة , التي يعتبرها وطنه , ويعتبر ” السعودية ” جنسيته , رغم عدم حصوله عليها , بل استحالة _ تقريبا _ أن يحصل عليها , خاصة بالمفهوم الجمعي , هذا على اعتبار أن الشخصية الروائية تمثل نموذجا لمجموع بشري .
فلسطيني معلق في الهواء : دار النص إذا حول هذه القضية , فمنذ البداية _ والنص سار كمذكرات ذاتية , من الطفولة حتى الشباب , أي وفق تسلسل زمني تاريخي , يتذكر الطفل المعاناة التي كان يواجهها حين تأخذه العائلة بعيدا عن جدة حيث نشأ , إلى القدس , مسقط رأس الأسرة , عبر عمان فالجسر , ليبدأ التساؤل حول جنسيته , والتي هي مفتاح الهوية , فحين تتحدد جنسية الإنسان , تتحدد إلى حدود بعيده بعد ذلك هويته , ورغم انه يحمل جواز سفر أردني , إلا أن الصراع كان بين جنسيته الفلسطينية , فقد كان بطل هذا النص السردي فلسطينيا معلقا في الهواء , يبحث عبثا عن هوية بين فلسطينية رمزية , وأردنية على الورق , ليست أكثر من جسر يعبره بين فلسطين والسعودية وفعلية ناقصة هو فيها وافد / أجنبي . وظل هذا السؤال مؤجل الإجابة , يتراكم موقف الراوي تجاهه , كلما فرض عليه أبواه سلوكا غير طبيعي , بفرض ” الانطواء ” عن أقامة العلاقات الاجتماعية مع المحيط الاجتماعي السعودي , بحيث يمكن القول في النهائية أن تفضيل الراوي للجنسية السعودية رغم عدم حصوله عليها , على الجنسية الفلسطينية , حين أسقط حقه في الإقامة بالقدس باختياره العودة لجدة , كان في احد أشكاله نوعا من التمرد على السلطة الأبوية , التي عادة ما يقوم بها الشباب ضد ذويهم .
وجاهة السؤال / رداءة المبنى : كتابة النص بهذا الشكل , أي على شكل مذكرات شخصية , دون أي اهتمام درامي , أو محاولة بناء روائي بإطاره العام , ولا حتى محاولة بناء خط درامي لنص سردي , حيث لوحظ , عدم ظهور شخصيات أخرى ولا حتى قصص جانبية , ولا حتى اهتمام بتوتر الخط السردي , الذي سار أفقيا , دون ذبذبات , من شأنها أن تجعل من قراءة النص فعلا مشوقا أو شيقا , ربما تحيل إلى سؤال جوهري , هو ما الدافع لكتابه هذا النص , اهو لفت الانتباه إلى قضية غير مثارة _ لم تقدم القضية الفلسطينية إلا باعتبارها قضية أمة وقضية شعب , وظلت قضية الفرد الفلسطيني في الأرض المحتلة والمنافي المتعددة أزمة مغيبة . المقطع 15 ص 102 _ طبعا وجاهة السؤال , لا تمنح نصا غير مكتملة عناصره الإبداعية , قيمة حقيقية , لكنها في الوقت نفسه , تثير سؤالا آخر , قد يصنف كمطالبة بحق الراوي , أو حتى الفلسطيني أو العربي الذي يقيم في بلد عربي آخر سنين طويلة , حق التجنس , كما هو حال كل دول العالم الحديثة .
التدوين / سمة النصوص السردية التفاعلية : لابد من القول بهذه المناسبة أن ” التدوين ” والسرد الذاتي , أي كتابة القصص الشخصية , بات يشكل معظم النصوص السردية التي يكتبها شباب هذه الأيام , والتي يتم تداولها عبر المنتديات والمواقع الالكترونية , لكن يبقى مع ذلك الفارق بين نص وآخر هو عنصر التشويق , وكيفية بناء السرد الذاتي , ومحاولة إضفاء التدفق القصصي , من خلال إضافة قصص جانبية , أو إدخال ساردين آخرين , غير السارد الرئيسي , أي الراوي في النص , وهكذا تتحول المدونة إلى نص تفاعلي , قد يكون التدوين الذاتي الفردي مركزه أو عموده الفقري , لكنه لا يقتصر عليه , ولا يكتفي به , أما نص ” الجنسية ” فقد جاء كمدونة روائية , أخذت من السيرة سردها الذاتي , وافترقت عنها في الانتقاء , بتقطيع النص السردي إلى مقاطع , ليست بالضرورة متتابعة , أو متتالية , أخذت منها سردية الوقائع الذاتية , التي تمر بها أنا الراوي .فجاءت على شكل مذكرات سردية , من خلال كتابة السيرة الذاتية كمذكرات خاصة . وعبر سرد أفقي لا تشويق فيه , بلا صعود ولا هبوط , كما اشرنا .
رتابة السرد / الأنا تتحدث لذاتها : النص الذي جاء عبر 18 مقطعا نصيا , تتبع بشكل ” تصاعدي ” أو متتابع المراحل التي مر بها الراوي , وبتسجيل تاريخي حقيقي , ظهر من خلال أشارات عديدة , تناولت مراحل الطفولة فالصبا فالشباب , عبر مراحل التعليم الثلاث : الابتدائية , المتوسطة والثانوية , والتي شهدت خلالها الشخصية تطوراتها الأساسية , ففي الأولى تعرف إلى زملاء سعوديين , وفي الثانية أنخرط في الجماعة الإسلامية , وفي الثالثة , انفجرت معاناته الناجمة عن تنازعه الداخلي حول جنسيته , ورغم أن النص تناول شخصيات , فيها كل مواصفات الشخصية الروائية , خاصة شخصية عطا , التي لو كان بتقديرنا الكاتب معتز قطينة محترفا في كتابة الرواية لجعل من هذه الشخصية محور النص لما فيها من ” دراما ” أو أنها نموذج للفلسعودي , كما أطلق الكاتب نفسه هذا المصطلح على الفلسطيني المقيم في السعودية , أو حتى شخصية صبحي صائب , الفلسطيني الذي صار رجلا ناجحا في السعودية وكان السبب في أن يجد له عملا , بعد أن فشل في الالتحاق بالجامعة , بعد أن حصل على نتيجة عادية في الثانوية العامة .
وكان قد أفرد مساحة للعلاقات داخل الجماعة الإسلامية , لكن لأن ذهنية المذكرة أو المدونة الذاتية هي ما حكم سردية النص , لذا فكان يكتفي الراوي بأن يطلق أحكام القيمة , على المواقف والجماعات والأشخاص , ولم ير القارئ بين صفحات النص شخصيات لها معالم محددة , ولا حتى نايف أول صديق سعودي للراوي , حيث كان يمكن بناء النص روائيا , وبشكل درامي مقنع , يبرر ” وفق منطق النص الروائي ” لم أختار بطل النص أن يكون سعوديا على أن يكون فلسطينيا , أو حتى أردنيا !


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>