عندما حَكَم الجمال - معتز قُطّينة

ساق الغراب

ما الذي يحيل الجمال إلى فعل مؤثر في قارئه, كأن يشعر قارئ بعيد عن مقر الحدث أن الحدث يعنيه, وأن باستطاعة خياله التماهي مع قدرة الكاتب على ابتكار هذا العالم الجميل, حينما أقول (ابتكار) ذلك لأن المؤلف يحكي عن سنوات لم يدركها معايشة (تدور أحداث العمل في عام 1800م كما ينقل مبدع النص), إن من يستطيع أن يحيل الروايات الشفاهية المتواترة على اختلاف أشكالها, إلى عمل يقفز على النماذج السائدة, لهو عمل مؤثر ومذهل, ولأن الكتابات التاريخية والرسمية في حالة النزاع لا تنقل لنا إلا رواية واحدة, هي رواية المنتصر أبداً, فإننا نحكي عن حالة نادرة من حالات تحويل الهزيمة إلى نص جمالي فاتن, يحكي عن الزاوية التي لم تصادفنا كثيرا, الزاوية التي تنظر بها عين المهزوم!

في شكل مغاير, نبدأ القراءة من خلال الإشارة الدالة جداً على الحالة التي مثلها الصراع بين صاحب الأرض الأصلي, ذو الهوية الممتدة جذورها في عصيرة, القرية العاصبمة لوادي الحسيني/ جنوب الجزيرة العربية, وبين الداخل الجديد إلى الأرض, الغريب الذي يحمل مشروعاً مختلفاً يرغب في إحلاله بديلا عن نمط الهوية القائم, في هذا الموجز, يحضر رمز الهوية ماثلا في الطقس الختاني الذي يؤديه أهل المنطقة حال بلوغ الصبي مآل الرجال, الهوية التي يُعمل الداخل الجديد في نزعها من خلال توجيهاته الصارمة بمنع أداء الطقوس, بذريعة الدين حيناً, وبتلويحة السيف الذي سيطبق على رؤوس العباد لاحقا, من خلال الدين ذاته, كما يحكي النص, ولم أستخدم الدلالة هنا إلا لأبين كيف استحال هذا الطقس- الذي لم يعاينه الكاتب في حياته- إلى حالة جمالية من طراز فريد, يستحضر فيها كامل تفاصيل الختان, وكأنه قد أمسك بكاميرا عالية الدقة, ليرصد أدق التفاصيل التي تم بها, حاملاً أجواءه في لغة متخمة بقيم ذلك الزمن, فيدفع بالمجد, والهوية, والشجاعة, ورباطة الجأش, والرفض, ربما باعتباره قيمة ضرورية لا تبالي في حالة النزاع القيميّ الذي يعيشه أهل القرية بما هو آتٍ من النتائج, ولو كلفه الأمر حياته! إن هذا المستوى من التمسك بالقيمة ينتج فيما يبدو لدى (حمود الخير) نتيجة لحالة التهديد التي تتعرض لها هويته, فالذين يشعرون بالقلق حيال ثبات حياتهم ينتفضون  دائما ضدّ كل علامة تشير إلى تبدل الحال, ويبذلون ما لا يظنون أنهم قادرون على إتيانه في استقرارهم ورغدهم, ولو كان ثمن الحفاظ على رسوخ الحال هو الحياة ذاتها! وهذا ما يتأكد لاحقاً بعد سلسلة من الحالات التي يرصد فيها امقاسم مفارقات تبدل الزمن, والاختلاف الذي يطرأ على حياة الناس التلقائية, وما بين ذلك مما كانت عليه أيامهم ولياليهم, وبين ما تحمله تعليمات الداخل الجديد, الذي استطاع لأسباب ليس هذا موضع ذكرها الصبر على تحقيق النتائج وقتاً ليس باليسير.

يعرف بناة الدول أن التغيير لا يتم من خلال القوة دائماً, فإحكام السيطرة على جماعات مختلفة المنهج, متنافرة الهويات, لا بد أنه بحاجة إلى أدوات من طراز مختلف, تحضر المفاجأة في الأداة الغير متوقعة! إذ أن (نسف الجمال), باعتباره عاملاً محلحلاً للملامح الثقافية للقرية, يأتي على صورة الدين هذه المرة, رجلا مفرداً لا ترافقه نصف حياته, لابساً ثوباً أبيض, يضع فوق كتفيه عباءة عربية, ويغطي رأسه بغترة بيضاء, وأهل الجمال لا يغطون رؤوسهم, بل يتعمدون كشفها للشمس والهواء, ويزينونها بالنباتات التي تنشر العطر في أجسادهم, يجدلون شعورهم أو يطلقونها كيفما اتفق, يمارسون دينهم بعفويةِ من لا يتوقع أن دينه مليء بما يمنحه الفاتح هيئة الخطأ! يعيشون ولا يظنون أن الحياة الجميلة التي يدورون في أفلاكها تنتهك الجمال, إنهم يدركون بعفوية المتمرس أن للرقص ساعته, وللعمل ساعته, كما للصلاة جمالها الذي لا يخلّون به, والرجال الذين دأبوا على تلقي تعليماتهم من (صادقية) والدة شيخ القبيلة, والمدبر الحقيقي لأمورهم, والقائد الروحي المحرك لتفاصيل حياتهم بدءاً من دفن الحبال السرية للمواليد وانتهاء بجمع المحاصيل, مرورا بكل ما تحمله الحياة المشتركة بين الرجال والنساء, لا يقنعون بعد هذا كله أن على هذه المرأة, أن تعيش بمعزل عنهم, خلف سواتر تم ابتكارها خصيصا لعزلها عن العالم, هذا بمفهوم الجمال يعني اقتطاع نصف الحياة, وإبقاء نصفه الآخر مثل خشبة جافة, بقيت في الشمس حتى صار لونها كالحاً, وعبث بها السوس حتى أصبحت جوفاء!

إن ضخامة الحكاية وثبات مجراها, تجعل من المستحيل حصر المواضع التي تفجّرت فيها ينابيع الفتنة, فما بين (إذ يقفون بأسمالهم المبللة وبنادقهم ترهقها قطرات المطر) و(عذوبة الليل التي تذهب بهم إلى ذكريات قديمة) وما بين إشعال النيران العظيمة, ورش الرحى بقطرات الماء كي يرى القمر المخسوف طريقه فيها, تكمن حياة تم وأدها لأغراض سياسية خبيئة أولاً, ثم صارت إعلاناً غير قابل للطعن والجدال, دون أدنى التفاتة إلى ما يمكن أن تؤول إليه حياة بأكلمها, فالمجتمع الذي تفكك, والناس الذين تبددت آمالهم في مجابهة الداخل الجديد, صاروا يعلنون باكراً رفضهم للتغيير, لنغرق في عذوبة جديدة يؤديها اليائسون من الحياة, عذوبة ما زالت عذراء على عيون القارئ العربي, إذ يتوجهون تباعاً إلى الشيخ وأمه, يستأذنونهم في الموت! إنها الأدوار حين تستبدل, فيصبح الموت حالة إبداعية لاستمرار الحفاظ على الصورة الأخيرة للجمال قبل زواله, وللزجاج الشفاف قبل خدشه بإزميل التغيير, ولا بد لنا من باب الإنصاف أن نفرق بين التغيير والتطوير في هذه الحالة, فالرفض في حالة النص لا يمثل صداً لمدّ حداثي, ولا يقف عقبةً في سبيل عملية نهضوية, بل يفصح عن نفسه كنوع من مقاومة اجتثاث الجذور, العملية التي تستهدف نزع النسوغ والأعصاب والوجه الكامل للقرية وإحلال قناع بديلٍ لا يشبه وجهها, حينئذ تصبح الحياة موتاً ذا لحية, يلتحف سيفه, يقف مفرداً صامتاً, ولا تنبعث من بين شفتيه ألحان الجنوب!

أبطال العمل ليسوا أشخاصاً مثاليين, ولا يمكننا التنبؤ بسهولة, إن كان فيهم جانبٌ من الشر خفي أو أنهم على ما فيه في خير مطلق, إذ يسهب امقاسم في صبغهم بالمحمود من الصفات والمواصفات والأفعال, وفقاً لأحداث الحكاية الطويلة التي لا تشبهها الحكايات, وكما لا يبدو الكاتب حيادياً مع شخوصه, فإن إعجابه الجليّ بما ينثرونه من الحُسن والعفوية يقودنا لتتبع ما يبرر هذا الإعجاب, لنجد قائمة تطول: فهناك (بشيبش) الكائن الأسطوري الذي رفض أن تهزم قريته وهو موثق إلى سرير خالته (صادقية) فغادرها إلى حيث لا يرى النهاية التي لا تروقه لعنفوانه/ مجد عصيرة, ولا يرحل رحيل المخذول, إنما رحيل من ينجو بالجمال من الذكريات المزعجة التي تشوبه, وهو إذ يقرر الذهاب يقدم طقساً غرائبياً آخر لا يخلو من صيغة الفتنة, حين يلعق قدمي طفلته دافعاً إياها إلى عدم الانزعاج من رحيله, إذ كان الراحلون يعتقدون أن فعلهم هذا يمسح ألم الغياب!  وهنا (صادقية) الأم التي تقف خلف ابنها شيخ القبيلة, توجهه كما لو كان سهما نافذاً لتعليماتها, وتدير الحصاد, والمخزون, والرجال والنسوة, متمتعتة بكل صلابة القادة, دون أن نغفل عن تعريض (بشيبش) الدائم لها برغبة جسدها المكبوتة غالبا, النافرة نادراً في ملامحها الملكية الجميلة, ودون أن نسهو عما تحمله بصيرتها من قدرة على استشراف النوازل, والتدبير الحكيم لكل ما يطرأ على القرية من أحداث, وثمة (حمود) الذي كان رمزاً متقدماً لهوية القرية, والممارسة الغير مألوفة التي قام بها حين ختن نفسه لإثبات أحقيته بالرجولة, وبالتالي مدعاة للفخر في العرف السائد, الفخر الذي صار محرّما مذ هبط الداخل الجديد بأرضهم, ها هو يتحول إلى رمز للهو والعبث, ويقف موقف التوبيخ إذ تذكره جدته أنه لم يكتب في تاريخ واديهم الحسيني الذي ضم قرية عصيرة لاهٍ مثله, ها هو يستقبل وصية أبيه الغريبة بأن يعلق جسده على حبل جاهز لتخليصه من حياته, إذا صار أرخص القوم وأذلهم! وهناك (عيسى الخير) شيخ القبيلة الحيّ, الذي يدرك الأمور قبل وقوعها فيطلب إلى خادمه الذي كان يمازحه قبل قليل ما لا يسرّ به السيد إلى عبده! ويجهزه للموت قبل أن يقع, ويتشبث بحياته بين يدي أمه وهو على فراش الموت, يراوغها ليحصل على وقت خارج قدره المكتوب, ثم يستحي من الاستمرار حياً وقد سبقه إلى الموت كل رفاق دربه ومعاصري مجده, الذين غادروا قبل الأفول, وفضلوا الحصول على رخصة الموت قبل أن تنتهي أسطورة عصيرة! إنهم جميعا مزيج غرائبيّ التركيب, معقد الصيغة, لا تجد مثلها كثيراً, ولا تملك إلا الانحياز لجمالها, كما تنحاز لجمال رقصهم, وليالي سمرهم, والأغنيات البديعة التي أجهد الكاتب نفسه في تفسيرها, ومحاولة تقريبها إلى بساطة القارئ, بالرغم من أنها تنضح حساً لم يكن في حاجة إلى كثير تعبٍ ليلمس أرواح القارئين, قبل أن تندمج مع أهالي القرية في حلقة الرقص!

(ساق الغراب) ليست عملا حِرفياً, وحين نشير إلى المران الذي بذله الكاتب للخروج بهذا الكتاب العملاق, فإننا نتحدث عن اجتهاد المبدع الذي ينحت تمثالا لكي يتمثل ألم الصخر, لا عن تعب الصانع الذي يتخلص من آثام صنمه, يفاجئنا بالجمال من كل جانب, وكأنه يشن حربا زمنية مضادة بالكتابة, تشبه الحرب التي سُرق فيها جمال القرية وانتهك, يحاول أن يعيده بالجمال, إنه لا يبكي على فردوس كان, فهو يمجد الزمن الذي كان فيه الجمال حاكماً ونمط حياة, وربما لم تكن الحقيقة قريبة جداً مما صوّرته روحه وسكبته في جوف النص, لكن الخيال صنع من كل الصور التي التقطها والأرشيف الفني الثري لحياة الناس وأناشيدهم الندية, صنع عالما جميلاً, متخيَّلاً ربما, لكنه لا ينافي فطرة الكاتب, فطرة الانحياز إلى الحياة بشكلها العاري عن الأقنعة وكل ما يحجب الضوء, الحياة التي ترتفع فيها قيمة التضحية, إذ تتخلى الشيخة عن عينيها وهي تتساءل بصدق حارق: من كان يستحق عيوني غير وادي الحسيني؟!

لا يشين العمل ولا ينقص من روعته التماهي الخفي الذي تشي به السطور بين (ساق الغراب) و(مائة عام من العزلة) للكولومبي ماركيز, فثمة رابط شفيف بين ماكوندو الخيالية التي احتوت حياة حقيقية لم تعد موجودة, وبين عصيرة الحقيقية التي احتوت خيال امقاسم بأقصى ما يمكنه استجلاب الماضي, وتبجيل الذين استأذنوا في الرحيل إلى الموت, وثمة براعة حقيقية في التشبع الكامل بتقنيات الواقعية السحرية من جهة,  وتحويلها من جهة أخرى إلى قالب نقي اجترحه امقاسم ليمنح عمله تقنية الإنباء بالكارثة قبل حلولها, مع الاحتفاظ بكمّ من المفاجآت, والربط بينها وبين التقنية النابهة في تصوير المشهد من عدة زوايا, كمشهد انتحار حمود العابث, الذي سنراه مرة أخرى بعيني شريفة بنت الأرض التي صارت بنت الرجال! هذه هي ساق الغراب, النص أو الأرض, لا فرق: روح دافقة في الكتابة, وزمن يحلم المارون به لو أنه لم يكن حلماً, وفجيعة ضخمة, تشبه فجيعة شريفة التي تسأل بصدق شفيف وصامت, عن القرية التي امّحت معالمها وكأنما ابتلعتها الأرض الغاضبة, وكأنها لم تكن يوما..!

 

صحيفة الحياة ٨-١٢-٢٠٠٩ 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>