ثنائيات الثقة.. شطرنج القلق - معتز قُطّينة

محمد خضر الغامدي

محمد خضر الغامدي , شاعر سعودي شاب ، ينتمي إلى الجيل الأكثر حداثة في السعودية حيث يمكن لنا وضعه ضمن الجيل الثالث للحداثة السعودية, أي المرحلة التي تلي شعراء التسعينات ، ويمكن اعتبار هذا الجيل الأكثر نضجا والأكثر تفهما للحداثه الشعريه , الجيل الذي استطاع تناول الحداثة وبلورتها في إطار مختلف عن المراحل السابقة , بشكل يتلاءم مع الصيغه الحالية للحضارة, حيث يكتب محمد خضر قصيدته بأداة حديثة جدا , استطاع فيها ربط القالب ” قصيدة النثر ” إضافة إلى قاموس أصعب ما فيه أنه بسيط حد الغموض، استطاع ربطهما بــ روح القصيده الحديثه متخليا بذلك عن الفكره النسقية المطروحه في النقد الثقافي , متجاوزا ذلك إلى المفهوم الكوني , والنسق الإنساني, للوهلة الأولى يصاب قاريء نصوصه بالإحباط , نظرا لبساطه اللغه , إلا أن العمق الفكري في النص , والوعي المعرفي فيه , يقودان القاريء إلى متعة الأسئلة ، وبهجة الفضاء المطروح فيه.
لقد اخترت نص (مؤقتا تحت غيمة) لقراءته, ولم يكن اختيار النص عشوائيا , بل جاء نتيجة لعدة أسباب أوجزها فيما يلي:

– النص فاتحه المجموعه , ون عنوان استنادا إلى عنوان المجموعه مما جعله الأكثر حظا في التناول>

هذا النص يلخص القيمة الشعرية لمشروع صاحبه , حيث يستنطق حواسه وأدواته جميعا دون استثناء .

– مازل النص طازجا , وأظنني قد أعمل على فتح شهية المهتمين بإنتاج الشاعر ومشروعه

لنتناول النص من قراءات أخرى توافق أو تخالف

” أطراف ثلج تنسكب
كالتين والزيتــــون …….. “

بسمــــــلة موفقه في المشهد الشعري / الصورة , إذ يدرك الشاعر حداثته ويعي تماما سطوة المشهد وحاجته الملحه في افتتاح الأغنية , وتأبى عينـــه السينمائيه – كما في أغلب نصوصه – أن تتوقف عن أداء مهمتها ” إلتصاق الوعي بالرؤية ” وتناول عاملي الزمان والمكان متحدين كعنصر فاعل في تأكيد مصداقية المشهد الشعري …

” في جــــــيبي قصائد لا تفيق …… “

لكنه لا يحتفظ بها , بل يتعمد العمل على فضيحتها ونقلها إلى القاريء ” المشاهد ” في قمة نشوتها وعبثها الحقيقي , إنه يريد لها أن تستمر في حاله اللا إفاقة ، فاستمراريتها تحقق ذاته أمام النص والمتلقي في آن واحد …

” أحب الجبال
لأن أبي أخرجني درجا عابرا
والطريق لا تستقر
قال لي :
هذه التضاريس خبز وماء
تكنز الأرض أسرارها
والكهوف الخطايا … “

ليست المحبة هنا حالة وصف شعوريه , بل توحد تام مع التضاريس التي لا يمل لتعريفها , لكنه قادر على تقديم دلالات منطقيه لهذا التوحد / الذوبان ..حيث يعلله من امتداد الخطيئة الأبويه التي تلقنه نسقا يبرمج عليه أفعاله وأقواله , لكن ….لحظة … هنا اختلاف كبير فخطيئة الأب تستحيل فضيلة تحثه على الخروج إلى الأمام ( لأن أبي أخرجني درجا عابرا ) ومظله الأبويه تقتضي إدخال المعلومات والأمر بتنفيذها , وأرى اختلافا لا أسميه ولا أريد ولكنه كفيل لقارئه دهشة هذه التناقضات / التناسق الأبوي في غمره القلق الأزلي الذي يلازم المبدع في خط سيره الإبداعي …

” قال لي هذه التضاريس خبز وماء …” إن الخطاب الموجه إلى الشاعر لم يكن أمرا وفي هذا تأكيد على تحول النسق الأبوي إلى فضيله ديمقراطية , لا تشبه الوسط الذي يصطدم به الشاعر في شرق متعنت ، ربما قد تحققت فعلا , وإنما هي تعبير عن الحاله المنشودة التي تظل محلقه في سجنه / الافق …

ثلاثيه السر / الكهف / الخطيئة والتي تعطي إيحاءً قويا على بيئه الشاعر ” العربية ” التي تعاني التعتيم والكبت , إذ يبوح بها فإنه يعلن عن المطالبه بالضد في إطار إنساني , يكرس لمبدأ الرفض , وإن بدأ مبطنا بطمأنينة الكهف / السر , إلا إنه تحت رهبة القلق لا يطمئن …

” هل كنت وحدي
وأنا اقرأ
الفردوس اليباب
وبقايا مزمار كنت أنتسب لها ؟؟ “

عن أي بقايا يتحدث تلك التي ينتسب لها ؟؟ إنه يتخلص من لعنه هذه البقايا ويتعرى حتى من ثيابه الداخليه , ومن جلده ، وهذا ما تقتضيه الحاله الوجوديه الفرديه المتكررة في أكثر نصوصه , وكأنها تلمّح عن العظام التي تؤسسه وتبقيه على شكله المتفرد / اللا منتسب , أثناء قراءته لفردوسه اليباب الذي يظل محض يوتوبيا تقف مكتوفة اليدين بين صحراء وجبل …

” كل تلك الدروب مشتني
كان لي مدار
لم تقولي كف عن زهرة الفقـــــــد …”

أكاد أميز لون زهرته ووصفها النقي في مداره الذي أرغمته الدروب على تكوينه . لم يكن ليلتقي بزهرته – التي تشكل مكمن الخطر – لو لم يكن مطمئنا إلى نفسه واثقا بامكانيات البحث وإضاءة الأغوار التي تصادفه ” أو تصادقه ” ولعلني أستحضر هنا مقطعا للشاعر من قصيدته المثيرة ” مكنسة ونصف موج ” حيث أكد على هذه الثقة التي تكشف أدواته وتعطيه إضافة إلى مكوناته الأخرى هيكل نسقه الجديد ” ما من درج إلا وصعـــدته مرتين ” … أترك للقاريء عناء الربط بينهما وهو يُعد ” صياغة الثقة “

” من هؤلاء الغرباء
الذين رموا أحذيتهم في النهر ؟ “

هل هم قبيلته ؟ إخوته ؟ أصدقاؤه الشعراء ؟ الآتون قبله ؟ صغاره الكامنون في العلب ؟ ” كما أشار هو ” … وأي نهر هذا الذي استقبل أحذيتهم ؟ الليل ؟ الوجع ؟ الأسطورة ؟

يتحدث الشاعر بعقلية عربية نزقه في التساؤل عما يمر به , ومن يمرون به ويتمادى في نعتهم بالغرباء … النهر / الدلالة غير المباشره , حيث لم يصادفه نهر طيلة حياته – كما اعـــــلم يقينا – وأجزم أن المفردة خارج نطاق التأثر , إنها الدلالة على ” حُفاة يقرعون الأجراس ” كما في نص سابق للشاعر ….

” كان صوتي عاليا
والنخل طأطأ رأسه ….”

موسيقى صاخبة جدا , تعلن بالشعر في موسم ليس مواتيا لجني البلح وإن كنت لا أشك في فهمي لما يرمي إليه إلا إنني مع القاريء في بث علامة استفهام ضخمة أضعها على عمامة هذا الحداء الحديث الذي ينشده الشاعر على رؤوس النخل العارية وهو يركب القطار!!

” كنت أبحث عن فضاء يليق بي
واكتشــــفت
أن الأرض تقصدني باصفرارها
فاختبأت !!! “

حالة البحث الإنساني في الكون , يقودنا فيه إلى فكرة مغايرة ” , كالفكرة التي أنجبته ” يريد فضاء يليق به …. ولعل مفردات : أبحث , يليق بي , اكتشفت , تقصدني , اختبأت ، تحمل مدلولات مختلفة تصب كلها إلى ما ترمي إليه الذات الباطنه للشاعر وتكشف عن ألوهية مختلفة , وكشهادة على هذا المعنى أورد انطلاق دعوه الإسلام في بدايتها حالة مطابقة حيث كان الفضاء الجديد ( الله ) طازجا لدى بني هاشم وبدأ مختبئا لكنه ظهر كمنافس شديد استطاع بأدواته ” القرآن والنبي ” وأتباعه ” المؤمنين به ” أن يشكل حاله متفردة لم تخضع لاصفرار الشمس ( إشارة إلى كونه لا يريد أن يبهت ويتكرر ) . إن الاختـــباء الذي يعنيه إنما هو تجهيز وشحن لهذا الإله الجديد / الفضاء الذي سيبتكره ويقدمه للشعر …. ” كان هذا واضحا في مجموعته الاولى “

” كنت أبحث عن وقت
أضع رأسي في عقاربه وأنام
كنت بين يديك …
أين ألقاك ؟
ضحكت الريح وقالت :
بين نوء وشراع يتمزق … “

يمارس الشاعر لعبتين خطيرتين تدخل في الإطار العام لتجارب الحداثيين الشباب مضمونا , وتختلف بنيه وتركيبا :

1- صورة غير مسبوقه

2- أحجية الزمان والمكان

يمارسها في وقت واحد , جنون واحد , إنه يضع رأسه تحت المقصلة ويجبرها على البكاء عليه , لكنها لا تلبث وهي تصدأ من كثرة الضحك ، فالنائم لا يعنيه الوقـــــت , إنه خارج عقاربه , مكمن الدهشه ليس في صورة ” اضع رأسي في عقاربه وأنام ” ولكن في الصياغة الجديدة التي يستخدم فيها ديناميته الشعري ليؤسس إطارا جديدا للإحساس بالوقت أثناء نومه .

لنقف هنا مع عودة إلى قراءه سابقة طرحتها عن نصه / التشريع ” حلم ” حيث قلت إنه قادر على النوم إذاً ، ولكن نومة الأنبياء … بالربط بينهما يحقق الشاعر دهشة مزدوجة ” إبداع مركب ” تظهر الخط الداخلي لسير الشاعر … وتظهر أحجيه الزمان والمكان في أفعاله الماضية (الحالية) التي انتقلت من وقته المحسوس إلى يديه الحارستين انحرافا ذكيا عن لعبته الخطرة “تحسب نقطه لصالحه” ويوهمنا أنه لديها …المرأة الطاغية التي تهطل في هيئه الريح , أو في ثياب سؤال , ولكنها تظل في ذاكرته الحساسه , يستعيدها كيف شاء ” أو كيف شاءت ” عائدا بها مرة أخرى إلى خطر المكان ” بين نوء وشراع يتمزق ” …

” رحــــــلت
ولكني أخذت قصيدتي
إنها / إنك / إنني ..
رماد حميد . “

لا يرحل اضطرارا , بل بكامل إرادته , من يجترح الفضيحه في النص , ويبتكر فضاءات تليق به فهو قادر على أخذ ما يريد وإهمال ما لا يريد , وهذا هو الرابط في النص الرحيل / فكرة اليأس , والاستطراد بــ ” لكني أخذت قصيدتي ” يتدارك الصياغه التأكيدية التي يجدد بها ثقته الموجودة بداخله …ولا يتخلى عن ثنائية مشروعه الكبرى ” الثقة / القلق ” التي كانت المحور الرئيس في أغلب نصوصه ” وهذا النص تحديدا ” ويعيد تشكيل القصيدة / المرأة / الذات / في اتصال حقيقي يعمق قدرته على البقاء في توحده مع ما يحب , فالرماد الحميد ، قادر على الاشتعال , فتبعا للنظريه النسبيه فإنه لا يوجد رماد فعلي , بل غياب لحالة النار التي يضرمها في أغلب نصوصه ” بل جميعها ” مما يؤدي إلى ولادة نصوص قابله للإنفجار , محدثة الفضاءات اللائقه التي يبحث عنها.

من هنا , فان نص ” مؤقتا .. تحت غيمة ” / المجموعة , يبرهن على ابتكار شاعر متمكن قادر على إعادة بناء العلاقات بين الإنساني والجمالي من جهة والكوني من جهة أخرى من خلال عمله على تفجير القامـــوس الشعري , وإبداله بقاموس بسيط في تركيبه يحمل نهرا من الوعي المنافس الذي نترقبه في إله جديد من آلهة الخلـود!

مجلة أفق الثقافية- 1 نوفمبر 2002


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>