من القبر إلى المطار - معتز قُطّينة

عبدالله ثابت

إن كان عبد الله ثابت في رواية (الإرهابي 20), قد اختار (زاهي الجبالي) نموذجا للرحلة التي يجتازها العقل بحثا عن الخلاص , فإنه كان يدرك بكل تأكيد الأثر الأعمق الذي تتركه الأحداث الدموية بشكل عام على ذاكرة هذا الإنسان / المغيّب بفعل مئات الأدوات التي تحيط به منذ ولادته, وتجعل العقل, بالتالي, مصبا لأيديولوجيات وأفكار, هي ليست نتاج شغل ذهني فعال, بقدر ما هي رغبة سلطوية في الاستحواذ على أكبر عدد من المريدين والأتباع واستخدامهم كـ دمى (متقنة) يتم تسخيرها عمدا لتحقيق أهداف الأوصياء وأصحاب الرؤى النمطية.

يبدأ عبد الله ثابت عمله الروائي, خائضا في أجواء ريفية صاخبة, يحكيها زاهي (بطل الرواية) عن جنوبه, الذي سيقودنا فيما بعد للأسباب الكامنة وراء الشخصيتين المختلفتين التي حملهما الشخص نفسه, هذا الجنوب ذو الخليط المعقد من الأمزجة اللتين تجمع الضدين في ذات إنسانه البسيط, الميال إلى الجمال والفن, والذي يحمل أيضا العنيد ذا المراس الحاد والرأي المفرد, ونتيجة لهذا التكوين لم يكن من الصعب على حملة الفكر الحركي المنظم استغلال شخصية البطل و تطويعها لصالح إرادتهم, خصوصا ضمن إطار العزلة التي يعيشها مرغما في بادئ الأمر, فطالما هو غير قادر على تحقيق الجانب الجمالي منه بسبب سلطة الأهل و قيود المجتمع, فإنه بالتأكيد يمثل هدفا سهلا لتطوير الجانب العنيف من شخصيته وهذا ما كان على امتداد سنوات عمره حتى بلوغه مرحلة متأخرة من التورط في سراديب العنف المنتج للجريمة, لم يكن ليستطيع إنقاذها لولا شرارة السؤال التي ظلت تتوقد, وتطفر إلى واجهة العقل كدليل نفسي على إنكار التوجه الذي يقود هذه الذات إلى نتائج غير واردة في قاموس الإنسانية, وإن كان بعده عن أسرته واختلافه معها قد ساهما في تنمية الفكر الإرهابي ومنحه فرصة تنميته في بيئة خصبة , فإن الوحدة التي كان يلوذ بها زاهي وما رافق ذلك من زهد وتصوف, وصمت لا يليق إلا بالاستغراق في التأمل و إعادة التفكير و تقييم مجريات الأحداث ضمن إطار ذهنيته الفردية, بعيدا عن أفكار الجماعة, سيكون لها دور واضح في انتزاعه مرة أخرى من هذا الفكر وإعادته إلى طبيعته الأولى.

في الفترة التي يعيشها زاهي إثر تكاثر التساؤلات حول أحقية العقل بتفرده في شق طريقه, و تخلصه من لعبة الأثر غير المشروع والتأثير الذي تحول إلى مرجعية صنمية تمسح دور العقل في إعمال بحثه و أسئلته حول مكنونات وجوده و تنتقل من مجرد التوضيح والكشف إلى مرحلة القداسة ما يرغمه على تهميش التأمل والبعد عن الأسلاك الشائكة المتناثرة حول كل ما اعتقد أنه فوق طائلة النقد, ليمتد به إيمانه المطلق بهذه الآثار/ الأفكار إلى الدفاع التام عنها ولو على سبيل فناء الجسد الخاضع لقياد العقل الملغى فعلياً! نتاج التخدير الفكري الذي مارسه مروجو المغلوطات باسم الدين!

إن التخدير الذي يلزم من يقع داخل تأثير الغياب الواعي, يتحكم به عامل وقتي هو الأهم ضمن عوامل السيطرة المطلقة, يدركها منتزعو العقول ويمارسونه بشكل مكثف/ متعاقب, بحيث لا تترك للعقل فرصة الاستفاقة وسيتوجب حينها على من يعلن التراجع والعودة عن حالة الخدر التي تهيأت له, أن يدفع ثمنا ضخما, تماما كما حدث لزاهي حين تعرض للتشهير المشين في مجتمع لا يغفر زلة كتلك التي نقلت عنه, ونعرف حينها أن بإمكانه مجاراة المعركة بمثلها كمعادل للرد على ما تعرض له اجتماعيا وجسديا, لكن العقل الذي بدأ يستنير, و يكتشف طريق الإنسانية ,أدرك أن الجواب الفعلي يكون عن طريق أخرى!

في الجزء التالي من هذه الرحلة, يكثف زاهي, الواقع تحت سطوتين متناحرتين, من جهده المعرفي للوصول إلى ما يمنحه استقلاليته العقلية وتصالحه مع ذاته التي لا يعرفها بعد! فيغوص في القراءة والتجربة, يتوحد تماما مع عقله الواحد ويستبدل بالمجتمع كله ملكوتا وحيدا اتخذه ضمن كتبه وأسئلته, يبدو جليا اشتراك زاهي مع كاتبه في العزلة والبعد عن الواجهات الاجتماعية وكأن الكاتب يسقط جزءا من طابعه الشخصي على بطله, فمن المعروف عنه اعتزاله الوسط الثقافي و ما يحفل به أو الخوض في المظاهر الاجتماعية بأشكالها, وهذا لم يمنع زاهي من الالتقاء بشخصيات مؤثرة, لكنه يدرك الآن أن مشروعية الأثر مختلفة وأن التأثر مشروط بما يرغبه هو وبما يريد أن يحيله لصالح طريقه التي اختطها لنفسه بعيدا عن الصورة العظيمة والهالة المحيطة بمن التقاهم ومن شاء أن يكون لهم رأي يشير ولا يوجه, يعلم و لا يفرض, وعليه أخيرا أن يختار بين هذا وذاك وأن يميز ما يمنحه من الأهمية لتشكيل قرار أو اتخاذ صيغة شخصية لا تحمل إلا بصمته وإن استطاع عبد الله ثابت أن يربط في حياة زاهي الجبالي وانتقاله من ذهنية التفكير الجمعي إلى ابتكار فلسفته الذاتية ورؤيته التي تخصه فإنه سيترك القارئ أمام حيرة التفكير في هذه القدرة الاستيعابية التي منحها لبطله والمتمثلة في قدراته الهائلة على التأقلم مع الأجواء الجمالية, والانتقال من الانطواء القهري العنيف إلى عزلة جمالية تمتلئ بصخب المعرفة والابتكار,بل تأخذ منحى آخر في التجربة ليحاكي دوره الحركي في التنظيم الإرهابي و يلعب دور الشاعر /المفكر الذي لا يكتفي بالانكماش على تجربته, فيحول ذلك المخزون الكمي إلى شحنات كيفية أنتجت نصوصا شعرية وأخرى نثرية وأظهرت الجانب الوهاج في الإنسان الذي كاد يفقد عقله (تحت سطوة الملايين من الموتى و الأحياء) لينتقل زاهي من عزلة القبور التي أحبها وجربها مرارا, إلى صالات المطارات التي أدمنها وعشِقَ الحياة عبر بواباتها.

(… وأعشق المطارات و السهر بها حتى لو لم أكن على سفر, و أحب المقابر المسيجة خارج المدن و الجلوس بين قبورها..) ص235.

إنها إذن الرحلة نقتسمها جميعا مهما اختلفت الظروف وأيا كانت الحوادث التي تصيبها وكيفما كانت مجرياتها تسير, وصولا إلى العقل الحقيقي, الذي تحكمه رغبة الإنسان ذاته, وإرادته التي لا تنطفئ!

جريدة الوطن – 10 يوليو 2006


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>