وحمزة يا سماحة المفتي!؟ - معتز قُطّينة

slides_Hamza_٦

 لو عدنا بالذاكرة ثلاثة أشهر، تحديداً عند إطلاق إشارة البدء للفعاليات الدموية التي أطلقتها مجموعة من الشخصيات ذات التأثير الاجتماعي، طالبت بالقصاص من “حمزة كاشقري” ومحاكمته باعتباره مرتداً كافراً، مانحين لأنفسهم الحق في تقرير عقيدته والإعلان عن مكنون صدره.

لو أننا عدنا إلى ذلك الوقت، وبدلاً من البيان الذي أصدرته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وطالبت فيه بمحاكمة حمزة شرعاً، بعد أن ساقت من الأدلة ما يؤيد مطلبها، لو أننا بدلاً من ذلك البيان، سمعنا تصريحاً من سماحة مفتي عام المملكة، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، يأخذ فيه بأعظم أوجه الإسلام، وجه السماحة واليسر، والرفق والموعظة الحسنة، لو أننا سمعناه يعذر المخطئ بجهله وقلة إدراكه وتصوره لما وراء قوله، لو أننا سمعنا سماحته وهو يطالب جحافل الدم ويذكرهم بواجبهم في نصيحة من زلت به القدم، وإنقاذه من الضلال والغيّ، بدلاً من الشماتة بأخطائه، وأنّ واجب المئات الذين طالبوا برأس حمزة هو دعوته إلى الحق، وتحذيره من الخطأ، ونصحه، لا إعانة الشيطان عليه وبث الرعب في قلبه، واستباحة عرضه وحرمه، والطعن في إنسانيته، والإساءة إلى أسرته، والخوض في نسبه والانتقاص منه، لو أننا سمعنا كلاماً مشابهاً من سماحته في وقتها، لأدرك الكثيرون ممن يثقون بسماحة الإسلام، ويعرفون ُيسره ورحمته ، أن رجلاً مثل سماحة المفتي، ما قال رأياً كهذا إلا امتثالاً للرحمة التي أمر بها الله، ومنتهجاً مواقف نبيّه في أعظم أوجه السماحة والحلم.

لو أن سماحة المفتي أتاح المجال لحمزة وذويه للتواصل معه والاتصال به، واستقبال سؤالهم، حول غلطته التي كتبها، وناقشه فيها، كما فعل سماحته عندما استقبل اتصال الدكتور طارق الحبيب، الذي زلّ لسانه وهو يقدم قراءة نفسية في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، فانتقص منها، ثم تواصل مع سماحته، وأكّد رفعة المقام النبويّ، وصحّح ما أخطأ في قوله، وأصدر بياناً مكتوبا يعتذر فيه عن الإساءة التي لم يقصدها، وأتيحت له الفرصة للظهور في عدد من المحطات الفضائية وهو يوضّح زلّته، ويجدد حبه لنبيه، ويشكر سماحة المفتي الذي اتسع صدره لنقاشه، ومدى تفهّمه، لأن ما صدر منه ما كان إلا حماسة عابرة أدت إلى الخطأ، ولفظاً لا يمكن لمسلم أن يقبله، وشدّد على رفض ما قاله وتراجع عنه. لو أن سماحته استمع إلى اعتذار حمزة عن قراءته الشعرية الخاطئة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، التي كتبها في ذكرى مولده، لربما رأى فيها حماسة الشاعر المخطئ الذي أراد أن يعبّر عن حبه، ومدى تقديره لشخص النبي فخانته الحروف، وسقطت منه العبارات المناسبة، وهربت منه فصاحة الشاعر، ولربما بيّن له ما أدّت به اللغة من خطأ، وأتيح له المجال للظهور في وسائل الإعلام لقراءة البيان الذي اعتذر فيه، وتراجع عن تغريداته، وأوضح عقيدته التي يؤمن بها في شخص الرسول، ونبوّته، ومقامه الكريم.

لو أنّ سماحة المفتي حصل على وسيلة للاتصال بحمزة في وقتها، واتصل به ناصحاً إياه، مبيّنا له سوء ما قال، وصحّح له ما بدر منه من كلامه “أقرّ حمزة بنفسه أنه لو فهم منه ما فهمه الناس لوقف في صفهم ضد نفسه”، ولو أنه بيّن له زلة لسانه، وأخذه بالليّن من القول، وأوضح له ما استعصى عليه وضوحه، وأرشده إلى كيفية تصحيحه، وخاطبه لإنقاذه من التورط والتمادي في سوء فهمه، وما أنجبته لغته، كما فعل سماحته مع الأستاذ محمد العريفي، حين أخطأ وقال في تبيين ماهية الخمر وحكم طهارته كلاماً لا يليق بمقام النبوة وعصمة الذات المحمدية، وتنزيهها عن النقص، فتأمّل العريفي في كلامه، وتبيّن فداحة ما قاله، فاعتذر، كما سبق لحمزة أن اعتذر، وأصدر بياناً مكتوباً -تماماً كما فعل حمزة حين تبيّن له سوء ما قال- وَوضح موقفه، وتراجع عن الكلام الذي أساء به للنبي عليه الصلاة والسلام، وجدّد احترامه لمقام النبوة، أقول: لو أن سماحته تعامل مع حمزة بذات ما تعامل به العريفي، لتراجع الكثيرون عن عرائض الافتراءات التي قاموا بها، ونصّبوا أنفسهم موقّعين نيابة عن رب العباد، مخترقين للنوايا، مقيمين لمحاكم التفتيش الهمجية، متناسين أن الدين لله وحده، وأنّ للقوانين دولة تقيمها وتحميها كيفما تراها، لا كما تراها حفنة من الناس لا تعرف إلا الدمَ لغة والقتل شِرعة.

مثّل موقف سماحة المفتي وتصريحه بعد الاتهامات التي نُسبت إلى الكاتبة “حصة آل الشيخ” دليلاً قاطعاً أن تحرّي الحقائق يمثل أولوية قبل الأخذ بالاتهام وإدانة من اتُهم به، وأن ما أتت به الشريعة يقدّم الرفق بالمخطئ، والأخذ بيده ونصحه في حال ثبوت القول، وتراجع صاحبه عنه، واعتذاره، والتوبة عن الخطأ. إن هذا الموقف من شخص سماحة المفتي -وهو موضع مسؤولية حكومية، ويحظى باحترام وتقدير شعبي- كان كفيلاً بوضع حدٍّ للحفلة الغوغائية التي كادت أن تقوم للمطالبة برأس الكاتبة، واستطاع هذا التصريح أن يقطع سيلاً من فوضى التحريض والتجييش، كان لها -ربما- أن تؤدي بالكاتبة إلى مصير مشابه لما واجهه حمزة، ورغم أن استنهاض الهمم ما زال جارياً للمطالبة بمحاكمتها، إلا أنه من الجليّ ما ساهم به تصريح المفتي من أثر في امتصاص غضب من ثارت ثائرتهم على الكاتبة، ووجهوا لها الاتهامات قبل التأكد حتى من كونها تمتلك حسابا في موقع تويتر، ولم يستمر في العزف على وتر الدم إلا قلة ممن أعمتهم ثورتهم عن ما في الإسلام من سماحة، وما جاء به النبي من رفق وحكمة، متجاهلين التوجيه القرآني “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، لا بالشتيمة والإساءة والترهيب والوعيد.

وحدهم المؤمنون يعترفون بذنوبهم ويتوبون عنها، الأنقياء الذين لم تلوثهم شائبات الحياة، ولم تمسهم قذارة عفنها ووحشيتها، وحدهم يقبلون على الناس بقلوبهم دون أن يدركوا لمن يمنحون هذا البياض، وحدهم النبلاءُ يدركون قيمة التراجع، وصفوةُ الرجال هم الذين يُقبلون بصدروهم المشرعة على هيجان الرماح الموجهة لها، وحدهم يدركون أن القيمة الحقيقية لإنسانيتهم تختبئ في صدورهم، وأنّ أحداً- مهما كان تكلّفه واصطناعه للإنسانية- ليس باستطاعته أن يكون ذلك الإنسان ما لم يقطر نداها من جبينه بصدق الأطفال الأنقياء، ونبل الفرسان الحقيقيين من الرجال.

لقد كتب حمزة ما كتبه وهو غير عارف بخطأه، ثم حين أدرك مآل قوله، وسوء الفهم الذي وقع فيه، اعترف بالخطأ، وقام بشطبه والتراجع عنه، واعتذر بشجاعة قلّما وجدت فيمن يواجه ما واجهه من التحريض والتهديد بالاعتداء والقتل، وجدّد اعتذاره عدة مرات، وليس لنا إلا الأخذ بالظواهر التي لا نملك الحكم إلا من خلالها، إذ لم نُمنح الحق الإلهي في الكشف عما في الصدور، ولا القدرة على معرفة ما تكنّه القلوب من إيمانها وعقيدتها، ولعل الوقت أصبح مناسباً الآن – بعد التصريح الأخير لسماحة المفتي- لكي نسمع رأياً مغايراً للرأي السابق من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يأخذ بمنهج الرفق والسماحة الذي تم اتخاذه مع من أخطأوا خطأ حمزة، ويعيده إلى حياته الطبيعية كما عادوا، عملاً بظاهر اعتذاره الذي شابه اعتذارهم، وليكن ما في الصدور للعالم بما فيها، آملين أن يغفر الله ذنوبهم ويكفّر عنهم السيئات “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم”


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>