حرية الحياة - معتز قُطّينة

لي صديق خلف القضبان، يعاني ألم وجوده في سجن انفرادي بسبب اختلافه، ونتيجة لكونه صرّح بهذا الاختلاف علناً، إيماناً منه بحقه في التعبير، بعيداً عن الإملاءات الاجتماعية، ومحاكمة الأدب والفن بمعايير خارجة عن تذوق الفن، لقد كتب بفطرته ما ظنّه صحيحاً، ودافع عمّا كتبه، فكانت النتيجة أنه ينتظر الآن قراراً بالإفراج!

ينشأ الفرد العربي محروما من الكلام، يخشى على نفسه السير في طريق لا حائط يستند إليه إذا هاجمه العسكر، أو قاطع أفراد المباحث حياته، وصنعوا لها مجرى جديداً غير الذي قرره، يعتاد الصمت، تقنعه وسائل الإعلام، وأهله وجيرانه وكل من حوله أن السكوت هو أمانه الوحيد، وأن التعبير عن الرأي والتحدث بحرية ما هو إلا محض تهوّر وطيش، وقفزة غير مضمونة النتائج، يحيكون له القصص والخرافات عما “وراء الشمس” أغلبها حقيقي، وبعضها تمكّن منه الخيال فصنع حكايات تفيض رعباً.

“لو كانت الحرية ثلجاً، لنمتُ في العراء” محمد الماغوط

هذا ما يظنه الشعراء بالحريّة، وهذا ما يقوله شاعر عانى مرارة السجن، بلا تهمة حيناً، وبالتلفيق أحياناً، وحين يقوله الماغوط تحديداً -يُعرف أولا بانحيازه للحريات والأحرار- فإنه بذلك يعبّر عن فطرة إنسانية أصيلة، لا قيمة دخيلة، أو هبة ممنوحة حسب الظروف، أو تبعا للمزاج السياسي، لقد أتينا إلى هذا العالم بلا قيد، أحراراً ولدنا، فما الذي يدفعنا للقبول بهذه الأغلال؟ ولمَ يقبل الصامتون بممارسة حياتهم تحت ظل القلق، والخوف، والتردد من الإفصاح عن حق أصيل، مكفول بالانتماء الإنساني أولا، وبما يفترض أن تكفله القوانين الغائبة فيما يتعلق بحفظ الحريات واحترام حق الفرد في التعبير عن رأيه.

الحرية لكل صاحب رأي، ولكل معتقل بلا تهمة سوى التعبير عما يختلج في رأسه من أفكار، الحرية للقابضين على نقاء أرواحهم، وأصالتهم، للذين يعرفون أن حريتهم هي أقدس ما يمتلكون، وللذين تشعل الحرية جذوتهم، وتنفث في إبداعهم وحياتهم، ولكل صاحب فكرة أجهده الدفاع عنها، ولكل مؤمن بحقه الأصيل في حرية الحياة.


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>