أؤمن بسطوة الكلمة في مواجهة كل شيء, إلا أنني أراها أمام الموسيقى: توازيها الارتفاع, الأثر, العمق, لكن للموسيقى غلبة الروح التي لا تفقهها الألسنة!

وعلى اختلاف فضاءات الموسيقى التي أحبها, فإنني أجد للموسيقى الحرّة أثر البندقية على الصخب, تكاد تعبر من فوهة الروح إلى المساحات البيضاء في روح أخرى, ونادرة هي النغمة الحرة التي تصاحبها الكلمات, أو صوت المغنّي دون أن تقصقص أجنحتها, أو تئد روحها الحرة, ومن تلك القطع النادرة: ليلى! فحتى كاظم الساهر نفسه لم يكتب لهذه الأغنية حريقا يشبهها, إنها بلا شك إحدى لحظات القدر!
لم تكن هذه الأغنية ثمرة شجرة مفاجئة, لقد كان هناك من يطعمه الدهشة في البداية , ثم هناك من ضرب بأصابعه لحنا عشوائيا على طاولة مقهى فقير.. هذا ليس كافيا, فهناك امرأة متعلقة بأجفان من نزعت فتنتها على أعينهم ورجلٌ غمس إصبعه في قلبه ليقطر الشعر, وثمة موت ينضح في هذه الموسيقى..!
هذا الموت , مولود قصة مأساوية لا أحد يحكي عن حبلها السرّي, ولا يرويها فم معطوب, وإن كان من خطر على هذه الموسيقى, فهو ألا تكبر في كل ذرة من هذا العالم, حيث هي الآن تتسرب وتتناثر بلا مسؤولية: فالخياطون يوقفون أنوالهم حينما تمر, والخادمات يبكين فوق المهود – إذ تمر عليهم – والرجال الأشداء يضربون كفا بكف بعد أن تلمس حرائر صدورهم, وأيضا النخلة الأم تسخر لو لم تجد ملحها في الرمل, ثم الغربان ترف بجناحين فوق قلبه وتمنح الليل فرصة أن يكون خفيفا .. الأساطير وحدها لا ترمي ورقة في وجه الحزانى والراكضين إلى خفة الغضب..! والشاعر الذي لا ينفجر إلا في الربيع ولا يتمرن إلا على المفرقعات, تراه- وهو يحسها- طحلبا على صخرة حنونة..!

يا سرادق العزاء ما أكبرك! وليلى ليست سوى سرادق, هذا ما حدث حينما كانت ليلى تضع في فمها سنبلة وتبذر القلوب الفتيّة: مجموعةٌ من الضائعين يستندون – أو ربما ترنحوا قليلا – بجوار حائط بائس يشبه وجه “سالي” الكرتونية, ويشبه أكثر الفتاة التي كانت في الطرف الآخر من المدينة تغزل دموعها بإبرتين لوزيّتين, وتسمع من ثقب في روحها صوتَ: أبكي وأضحك يا ليلى مكابرة!

الحزن مكابرة؟!

الفجيعة مكابرة؟!

ماذا للموت إذاً..!؟

إنه ذات السؤال الذي يصيبك بالدهشة حين تعرف أن للكورس صوتا جميلا, لكنهم لا يتحولون إلى فريق من المطربين, ويفضلون البقاء في الصف, خلف الضوء, هناك في العتمة, يرددون كالببغاوات بحّة تاهت عن حَلْق المغني, ليحصدوا في نهاية الحفل موتا يشبه المكابرة! لكنه موت سخيف, في آخر المسرح, موت لا يشبه موتَ ليلى!

الدراما تأخذ هيئة إصبعين : تراجيدي و كوميدي, أحدهما فقط لا الاثنين , ليلى تختلف : جسدُ قتيل وسيقان ضفدعة نشيطة, جبهة مُصلٍّ في العراء, وإصبع تضغط على زناد, وأكثر من حصاة تقذف في صمت جدول آسيوي..! وكانت تكتب كل ليلة تحت ضفيرتيها: الخيانة للفراشات! ثم تندبُ مثل لبؤة جريحة الكحلَ الذي سمّرته في طرف عينها, هل كان طرف عينها مكحولاً؟!  … لا , ربما هو البارود.. أو: الماء الأسود بين البكاء ولعنة الحوافر الخرافية, أو: وحيد القرن يغطّ في حزنه .. تماما كما يفعل الناس في العزاء, أو: الملفات التي تستخدمها مرة يتيمة قبل أن ترسلها إلى صندوق الجحيم: من لي بحذف اسمك الشفاف..! لكنّ الذين يلمسون رئة ليلى في ساعات الضحى يعرفون أنها كانت رطبة بالخوف, والحذر من حكاية لا تغلقها الأبواب, ولا تمحوها الصحف!

وكانت ليلةٌ: أقدام المعزّين تنتقل مثل كرات البلياردو في القرى كلها, وبغداد قصة مكررة في كل خيانة أو ضحكة, والذين كان يغمس إصبعه في قلبه صار باردا مثل ثعبان لا يرجى ابتعاده, ومكتوب على شجرة في وادٍ مقفر ورهيب: أيها المحترق, اتل ُ : ألم تر كيف فعل حبك بـ ليلى؟!