طرق على “أيقونات” هيلدا اسماعيل

العامل الأكثر جاذبية في مجموعة (أيقونات) لـ هيلدا إسماعيل هو التصاقها التام بها, دون أن تأبه لترك مسافات بين كيفية التعبير عن شخصيتها واستعراض تفاصيلها بعفوية لا تتقاطع مع (أنا) مميّعة في السطور المختصرة, ولا ترتفع لتصطدم بسقف الذات السائدة, لكنها, وبعفوية أيضا, تحكي عما يطرق زوايا توجساتها غير ميّالة للتوغل في أبعد مما يعنيها, وإن كانت في أكثر من موضع قد اقتسمت مشاهدا أنثوية متماثلة توحي بالعمومية, إلا أنها تنطلق من أرضيتها الخاصة/ كينونتها الشاعرة, تدعمها آليات تفاعلها مع الحالة التي تمر بها. ليس من الممكن قراءة هذه المجموعة دون الالتفات للإشارات الطفولية التي تنبعث منها لتدلل على انطباع النص بتلقائية ردة الفعل وابتعاده المطلق عن أي محاولة للانخراط في رسم تكتيك قد يؤدي إلى فساد الناتج الفعلي, بما قد لا يتساوى مع انكساراتها الداخلية التي تتقلب في مواجهة مزاجها الغض/ الطفولي, فتحيل فعل الخيال إلى دهشة ذكية:


فراشة / تتأمل أصابعي / تعترضني: يا أنت ِ… / متى أصبح مثلك ِ, امرأة ؟ (صفحة 24)

مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العفوية لا تُظهر إلا الجهة الحسية المتوترة , وتنحو باتجاه صيغة ِ أنثى تتمتع بدرجة شاهقة من الإعجاب بكيميائها الأنثوية, رغم أنها تدرك خطورة التمازج بين معطياتها, وتتعرض لانكسارات مريرة تأتي كنتيجة عادلة لتركيبة النص الطفولية, ولأن الأطفال لا يستدلون بغرائزهم, نتيجة لانعدام التمييز الشعوري لديهم, فإن الاحتياج المشروع لدليل (ماديّ) يؤكد انسحابهم نحو الأشياء, كان احتجاجا صارخا, وإن لم يكن مباشرا, لكنه أشبه باحتجاج أنثوي مبطن يحمل (المزيد) من متطلبات تأتي على هيئة الشرط, لضمان الحد من حجم الخسارات و بالتالي تكريس العلاقة في عالمها المرح المواجه لـ (الثقة الواهنة) التي تمنحها:


أيكفي؟/ تلوح لي بعنق وردة, وتمضي ؟! / أتظن الأزهار كافية.. لأتبعك من جديد ؟! (صفحة 117)

وبعيدا عن التزوير, فإن المحاولات المجهٍدة التي بُذلت للابتعاد عن ضيق الخيبات, والمرارة التي تنسل بين الطقوس الفرائحية لا تجدي نفعا في ظل التعلق الغير مبرر وَالانزواء الضال تحت خيمة الآخر, الذي لا يعرف سر إصرارها على إكمال الدوران رغم الحواجز النفسية والسلوكية التي يقيمها ضد البقاء (الموحد). إن ارتباطا غريبا بين زهو التمتع باكتشاف الشخصية و بين الإصرار على السير بنفس الاتجاهات المغلقة يطرح أسئلة عن جدوى المحصلة التي يجنيها النص في ظل الانكسار الذاتي المكرر, ويوهم بخنوع النفس الشاعرة, مما يعني إحباطا على المستوى البعيد للنص, لكن هذا ليس حقيقيا في أيقونات هيلدا, إذ أن نصوصا على شاكلة :

25 عاما / قضيتها في مقعد واحد / في قاطرة وااااحدة / كانت تقودني … إلى الخلف (صفحة 42)

لا يمكن أن تنسب لانخفاض النبرة التمردية, وللانتصارات المؤجلة, ولا تحمل مؤشرات هروب عن الحقيقة, إنها تمثل فعل البساطة في الخروج إلى أقصى حدود الصدق, ومحاولة قنص الفرص الإضافية التي قد يسمح بها الوقت, هذا يؤوّل الإشارات التي بدت غريبة, ويقود إلى اكتشاف محاولات تتسم بالجرأة و(المناورة) ولا تتأثر بـ (الهزائم المؤقتة) التي تعترف بها.
ثمة تمرد بارز التضاريس في المجموعة, لا يعنى بجانب واحد بل تتطاول أذرعه لتتناول تفاصيل إنسانية واجتماعية تمثل إشكاليات راسخة في الذهنية المكرسة للصدام والاختلاف, فتحاول الخروج من هذا المأزق بـ (تحلية) الطرح, وتجنب الخطايا التي قد تلصقها بها الفلول الجاهزة لتعقب ذيول الخطيئة, كما يظنون, عن أي كان, ناهيك عن اجتراحها من أنثى شاعرة, قد يساق نصها إلى غير تأويل, ويوضع في غير موضع, فتظهر هنا إمكانيات (حريرية) في إعطاء النص طابعا مشروعاً:

أليس خيرا !! / يفوتني قطار الحب.. بدلا من أن يدهسني ؟! (صفحة 27)

مشروعية النص لا تعني بالضرورة تشكله في قالب جمالي متطور أو إطلاقه فتحاً بهلوانيا لغوياً, بقدر ما يستمد تحليقه من كونه جديرا بالبقاء, نظراً لمصداقيته, وشفافيته في تخطي الوجوه الكاذبة التي يُلقّاها الإنسان نتيجة (دعكه) اليومي, وطعنه للمألوف بصورة تمنحه حرية التقرير بما تتناوبه النفس, كذلك يفعل النص إذ يقرر عن عمد (تجاهل) الثوب الذكوري الذي يرتديه المجتمع, وتحوير آلية التفكير نحو العمق / الأنثى, محاولا تقصي البداية المختلفة وابتكار نظرة لا تنظر بذات العيون ولا ترى الصورة المغبرّة, آخذاً شكل سؤال استيضاحي, ينسف الجواب حتى قبل طرحه, وينكر تحديد الوقت ليبقى السؤال مفتوحا على دفتيه:

إلى البداية.. نعود / من جميع النساء .. صُنعت / أتذكر !! (صفحة 125)

في ذروة اشتعال التمرد, و ثورته, حتى على شكل الكتابة, فإن هناك خيوطا تحيي التأمل والمفاجأة لدى الذات, طالما أن التمرد استحوذ على ماكينة الأسئلة, فإن الاحتمالات التي تولد عن رفض البنى العتيقة تأتي بمعية الأسئلة ذاتها, مما يشي بأحلام مختلفة, وإن كانت بسيطة في مضمونها فإن الخط الأساسي الذي تستمد منه الخيالات يتيح للنص أن يتجلى في فلكه الصغير/ الأنيق, فيستعيد أجواء الحريم والزركشات الخشبية والسادة, بما لا يخدش نار الخروج عن السقف الكبير :

ينهض الفجر / وأجدك متوسدا قدمي / يالله ه ه ه / هل من رجل غيرك .. يتعلق بأقدام أنثى نائمة !! (صفحة 56)

تبقى الإشارة إلى أن هيلدا إسماعيل, تكتب النص الذي لا ينتهي, نظرا لاستثمارها للـ (حالات) التي تمنحها دفقا شعريا متوائما مع ما تطمح في الوصول إليه من اللحظات الخفيفة في أحضان النص, ومع ما ترغب في الجهر به دون اعتبار واضح إلا لصوتها الذي لا يخذلها في مقام الحرف, فـ تجدُّد الطفولة/ الانكسارات المهانة بابتسامة/ الوقت الذي يتوقف لتكبر, كل هذه الأدوات تقف إلى جانب إصرارها على السير في الاتجاه ذاته, ما دامت قادرة على ابتكار أيقونات تُطرق!!

جريدة عكاظ- 13 يوليو 2007

(Visited 169 times, 1 visits today)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *