ذلك الظلُّ لم يكن ظلّي

04-06-2021

لم يغِب أبي قبل أن أبلغ أشدّي، أو هذا ما خُيّل إليّ، لم تكن بضعة أشهر مرّت على اشتدادي، قبل أن تصطفق النخلاتُ، جاراتُ نافذتي، وتنكّس سعفها إثر فجيعتها بغيابه، ولي أن أقول، إنني منذ تلك اللحظة، لا أزال أسقط في الفراغ، يسبقني إدراكي بأنني يُطوّح بي إلى الأبد، ولا أبلغ موطئا.

تتناوبُني، بعد غيابك، العللُ يا أبي..
.. علّة البِرّ بغائب اعتاد أن يعود، كان يقبض كفّاً صغيرة ليودعها الصف الدراسي، ويعود ليأخذها كل ظهيرة.. كان يصطحب صغاره وأمّهم إلى الجموع، وبعد سويعات، يعود، ليصحب فراخه ويدسّهم في العش.. كان يجول الشاطئ القصير، والدكاكين الصغيرة المنثورة فيه كالصدف، ثم يعود بهم، ناعسين، إلى الحلم.

.. وعلّة الشقاء، بإدراك أنّ الموت كائنٌ حيٌّ ويتنفّس، يستنشق أرواح الطيّبين ولا يزفرها، الطليقُ المهووس بالأحياء، يمتصّ نبضهم وأصواتهم، يسلبُ الحيوات من المحاجر، مطفِئ أجفان الأنقياء، حبلِه السرّيّ اللانهائيّ.

.. وعلّة الهشاشة، ياما تفاخر – الغِرُّ – بأنه صلدٌ، لا يرشح الماء منه، ولا تنقر غلظته عاطفة، وبأنه ليس قاسياً إنما هي فطرته التي فُطر عليها، وأنّ بذرة الحنان التي تسمِدُ الأمهات نسوغَها في أحشائنا لم تفلح في النمو، جسده صخرٌ وقلبهُ حطبة، ثم إذا زار الطليق المهووس بالطيّبين غرفة أبيه، تهاوت مع سقوطه – وتطايرت – القشورُ التي أفنى السنين وهو يغلّف فيها بذرته، ويُحكم إغلاقها، حتى صدّق – يا لبؤسه – أنها ضمرت، ثم حين غاب أبوه، انتهكه الحزنُ وتمكّن الأرق منه، أعملَ الفقدُ مباضعه في شرايينه.. والآن، في يديه ذاكرة مشطوبة، وفي رأسه عقلٌ شارد، تغيب الأشياء عنه، ويحضر الغيابُ وحشاً قزماً، قابعاً في صدره، له نابا سبعٍ، ومخالب حيوان آفِل، يتخبّط بين عظام أضلاعه، ويخدشها، ينهش بياضها، ويترك فيها فقاعاتٍ من الرحيل، تتناسل على هيئة الدمع.

.. وعلّة الغياب، لم يكن غضوباً، ولا فظاً، لم يكن باطشاً، ولا غليظَ القلب، ولا مروّعاً، ولا شكّاءاً، ولا متلوّناً، ولا لوّاماً، متعففاً عن الدنيّات، كان، سخيَّ الروح، ذا قلبٍ جواد، لا يضحك إلا تبسّما، ولا يغضبُ إلا أن يُمسَّ نقاؤه. ولا ينتقم. له من الأسماء مائة اسمٍ، واسمٌ، وله من كتف الريح ثمانٌ وأربعون عاصفة خاضعة، وفي جبينه يستريح ثلاثة وسبعون قمراً، وصوته المظلة، وُلد من شجرةِ الحنان جذعاً لا يئنّ، وغصناً ليّناً لا يُهصَر، تورق الثمرات في غير موسمها، كأنّه الغيب، والصورةُ المثلى عن الماضين إلى الجنة من دون حساب.

.. وعلّة الذعر، فاض قلبي، لم يعد يصمت هاتفي عند النوم، جُرمٌ اختياريٌ كنت أرتكبه مطمئناً إلى أن سيفي مسلولٌ في جواري، لكنّها – الطمأنينة – علّة أخرى.. علِقتُ في النوم ثلاثة قرون، بعدتُ عن غيابه ثلاثة قرون، غبتُ عن غيابه ثلاثة قرون، ولم يسعفني الوقتُ ولا اتزاني لأسأل كم لبثتُ، مائة مكالمة أو ألف، ثمانون رسالة أو ثمانمائة، كلها، وأصواتهم، وحروفهم، كلها تتوارى، وتتنافسُ في لحظة، من سيدفعُ بي إلى الهاوية، قدماي لا تزالان تهويان في الفراغ، خارج الفيزياء، دون الحزن وفوق الفجيعة.

.. وعلّة النوم، وتلك أخرى لا دخل للطمأنينة بها، أذكرُ، كبرت في العاشرة من عمري، فجأة، ولم تبقَ في العالم قوةٌ تستطيع محو هذه الذاكرة، أو تبديلها والعبث بمواقيتها، وعلى مدار ثلاثين سنة، تُركت لأكبر كيفما شئتُ لي، أسير آمناً كمن سيخرق الأرض ويقارع بطوله العاتيات من الجبال، ولكم وهَمْتُ أنّ قدميّ راسختان، مغروزتان كالرماح في جِلد الأرض، بينما كنتُ أخطو على حبل واهٍ، كان يمسك بكفّي الصغيرة، أبي، وحين عرفتُ أنه غاب، طِحتُ.. ولا أزال أطيح، وعندما أحتمي بالتعب كل ليلة (والله، كل ليلة) كي أنجو من الصحو بغفوة، تزلّ قدماي.. وتطيح.

.. وعلّة الثأر، هذا الحزن لا يغادر، ينمو كلما زحف بأثقاله الوقت، وينتشر كالبشارة. والقطعةُ الممزوعةُ من القلب، المضغةُ الهائلةُ التي تعلكها الظلمةُ وحرّاسُ الكوابيس، يتناوبون بحشرجاتهم على فكّيّ فيهترئ نومي، أما الطمأنينة – وهي كما قلتُ علّة أخرى – تنطفئ مثل رغبة، وتخبو مثل عاشق آسِف، هذا الحزن لا يغادر، وربما ظننتُه يضمحّل بالتقادم، أو يذوب – كما تتسرب الأيام- في غفلتي، لكنه خصمٌ جبان وعدوٌ فاجر، كنتُ أظنُّني مارداً يا أبي، كلما تطلّعتُ قدّامي أبصرتُ ظلّي هائلاً وطويلاً، وتماديتُ في تبجيل صوتي، مصدّقاً أني كبرتُ، حتى إذا آنَ الغيابُ، صار ظلّك أبيضا، متبوعاً بلحيتي ويسنده رأسي، وفي اللحظة التي ألقيت فيها بصري على الأرض، والحياةُ تتخذ من زاويتها متكئاً للشماتة، وتخبّئ قهقهتها، أدركتُ ألّا ظلَّ لي..
:
عللي جمّةٌ وخصومي وافرون..
لكنني وحيد يا أبي.

 

*بعد مرور عامٍ على وحدتي

 

(Visited 56 times, 1 visits today)

One thought on “ذلك الظلُّ لم يكن ظلّي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *