الحياة الموازية لشخوص هبة خميس في “مساكن الأمريكان”

قليلة الحكايات التي تطرق مساحات مختلفة، وتتحدث بلغة منسابة كأنها دردشة صديق يجيد القصّ دون ملل، وحدها الصدفة قادتني إلى العثور على “مساكن الأمريكان”، وهي رواية أولى بعد مجموعتين قصصيتين للكاتبة هبة خميس، تدور في 126 صفحة من القطع المتوسط، وصدرت طبعتها الأولى عن دار الشروق في 2021.

تقع أحداث الرواية في مدينة الإسكندرية، أو لنقل في أحد الوجوه المتعددة للإسكندرية، إذ لا يمكننا الجزم بأن المدن تحمل صِبغة واحدة مهما تبدى ذلك في ملامحها، إذاً، “مساكن الأمريكان” هو الوجه الذي اختارته الروائية موضعاً لحيوات أبطالها. تبرع هبة في رسم شخصياتهم، وتعتني جيداً بتفاصيلهم، ملامحهم، عُقدهم النفسية والتراكمات، الماضي وما تشكّل فيه وصولاً إلى توقيت الرواية، الزمن الغائم الذي يلمح عرضاً إلى مصر التسعينات ويستشهد بزلزالها. وبين المكان العشوائي والزمن، يتوافد الأبطال خِفافاً، حاملين يومياتهم وأسماءهم التي سيُبنى عليها تكنيك الرواية، وستسير حياتهم في خطوط متوازية، يخرجون منها ليلتقوا ببعضهم قبل أن يعود كل منهم إلى خطه، وحوارهم الذاتي الحاضر بقوة في العمل.

هل يمكن أن توصف هذه الرواية بالجرأة؟ بلى، المواجهات الشفافة بين أبطال العمل وذاتهم جرأة، وتطرُّقُ الروائية إلى مواضيع إشكالية – وإن كانت تمثل جانباً في حياة عادية- هي جرأةٌ أيضاً، لم تتوقف عند الموضوع، فاللغة والأفكار كذلك تحملان جرأة أيضاً.
تبدأ الرواية بمشهد خياليّ، يوحي بالعودة إلى الوراء، شبح خرافيّ دخيل على المكان، قادم إلى الحاضر، فيما يشبه إعلان مرثية لعالم يزول وعالم بديل يحلّ مكانه، هذا ما ينبئنا به المدخل، قبل أن ننتقل إلى بطلنا الرئيس “سيد” الذي سيُكثر الخروج من خطّه على مدار الرواية ليتقاطع مع الآخرين، قبل أن ينطوي مرّة أخرى على نفسه ويذوي في حوارات لا جدوى منها، وأسئلة لا تفضي إلى إجابة. ومنه، سندخل إلى عوالم أخرى تحتانيّة، وسنتشعب في هذه القصص المتداخلة بلغة حكواتية تدرك ما تجيده فتبرع فيه. بها من الأسئلة كثير، ومن الالتقاطات الذكية أكثر، إلى جانب قدرة على التصوير وتحفيز الخيال لاستنطاق المشهد، ورسم الأمكنة والتفاصيل الصغيرة العابرة.

ليس ثمة أبطال خارقون في هذا العمل، هي رحلة إلى هامشٍ سيصبح فيما بعد نسياً منسيّاً، لكنها شهادة ضرورية لتوثيق هذا الهامش، وأن في الحياة الموازية عالم آخر بكلّ تقلباته وشخوصه، عالم آخر ربما لا يشبهنا.

(Visited 73 times, 1 visits today)

One thought on “الحياة الموازية لشخوص هبة خميس في “مساكن الأمريكان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *